الشيخ محمد الصادقي
62
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
« فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ » وليس الصبر الذي يعقبه الفرج حتى يبدّل مرّه حلوا لآجل الفرج ، وإنما هو النار المثوى القرار ولات حين فرار ! ليس لهم إلّا الصبر على النار فإنه مثواهم المأوى ومستقرهم في الأخرى بما قدموها ، وان يستعتبوا - طلب العتبى والرضا - فما هم بمرضيين ، والإعتاب هو استصلاح الجلد بإعادته في الدّباغ ، وهؤلاء لم يبق لهم مجال الاستصلاح حيث تردّوا بكاملهم إلى الفساد فلا مثوى لهم إلّا النار « اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ » ( 52 : 16 ) . ومعنى ثان للعتبى هو العتاب الشديد ، فإن طلبوا عتباهم فلا يعتبون ، كناية عن غاية ترذّلهم لحد لا يخاطبون حتى خطاب العتاب « فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ » ( 30 : 57 ) وقد جرت العادة أن الذي يطلب العتاب يطلبه كذريعة لما يرجوه من الصفح والرضا تغاضيا عن الأسباب ، فاليوم يغلق باب العتاب متابا وعتابا . فالاعتباء يعني كلا السلب والإيجاب ، العتبى وإزالة العتاب ، كما الإطاقة هي سلب الطاقة ، فان يستعتبوا طلب سلب العتاب بعتبى الاستصلاح فما هم بمعتبين ، وإن يستعتبوا إيجاب العتاب التنديد فما هم بمعتبين ! « سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ » جزع الصراخ أم طلب الإصلاح ، أم طلب العتاب ، فقد سدل الستار وأغلقت الأبواب وتمت كلمة ربك بتمام العذاب ! وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 25 ) . ولأنهم عشوا عن ذكر الرحمن فعاشوا عشو الشيطان « وَمَنْ يَعْشُ عَنْ